سيد قطب
2805
في ظلال القرآن
أمام التجربة الواقعة ، وأمام موازين القول التي يقر بها الجميع . إن كل آية وكل سورة تنبض بالعنصر المستكن العجيب المعجز في هذا القرآن ؛ وتشي بالقوة الخفية المودعة في هذا الكلام . وإن الكيان الإنساني ليهتز ويرتجف ويتزايل ولا يملك التماسك أمام هذا القرآن ، كلما تفتح القلب ، وصفا الحس ، وارتفع الإدراك ، وارتفعت حساسية التلقي والاستجابة . وإن هذه الظاهرة لتزداد وضوحا كلما اتسعت ثقافة الإنسان ، ومعرفته بهذا الكون وما فيه ومن فيه . فليست هي مجرد وهلة تأثيرية وجدانية غامضة . فهي متحققة حين يخاطب القرآن الفطرة خطابا مباشرا . وهي متحققة كذلك حين يخاطب القلب المجرب ، والعقل المثقف ، والذهن الحافل بالعلم والمعلومات . وإن نصوصه ليتسع مدى مدلولاتها ومفهوماتها وإيقاعاتها على السواء كلما ارتفعت درجة العلم والثقافة والمعرفة ، ما دامت الفطرة مستقيمة لم تنحرف ولم تطمس عليها الأهواء « 1 » مما يجزم بأن هذا القرآن صنعة غير بشرية على وجه اليقين ، وأنه تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين . « أَمْ يَقُولُونَ : افْتَراهُ ؟ » . . ولقد قالوها فيما زعموه متعنتين . ولكن السياق هنا يصوغ هذا القول في صيغة المستنكر لأن يقال هذا القول أصلا : « أَمْ يَقُولُونَ : افْتَراهُ ؟ » . . هذه القولة التي لا ينبغي أن تقال ؛ فتاريخ محمد - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيهم ينفي هذه الكلمة الظالمة من جهة ؛ وطبيعة هذا الكتاب ذاتها تنفيه أصلا ، ولا تدع مجالا للريب والتشكك : « بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ » . . الحق . . بما في طبيعته من صدق ومطابقة لما في الفطرة من الحق الأزلي ؛ وما في طبيعة الكون كله من هذا الحق الثابت ، المستقر في كيانه ، الملحوظ في تناسقه ، واطراد نظامه ، وثبات هذا النظام ، وشموله وعدم تصادم أجزائه ، أو تناثرها ، وتعارف هذه الأجزاء وتلاقيها . الحق . . بترجمته لنواميس هذا الوجود الكبير ترجمة مستقيمة ؛ وكأنما هو الصورة اللفظية المعنوية لتلك النواميس الطبيعية الواقعية العاملة في هذا الوجود . الحق . . بما يحققه من اتصال بين البشر الذين يرتضون منهجه وهذا الكون الذي يعيشون فيه ونواميسه الكلية ، وما يعقده بينهم وبين قوى الكون كله من سلام وتعاون وتفاهم وتلاق . حيث يجدون أنفسهم في صداقة مع كل ما حولهم من هذا الكون الكبير . الحق . . الذي تستجيب له الفطرة حين يلمسها إيقاعه ، في يسر وسهولة ، وفي غير مشقة ولا عنت . لأنه يلتقي بما فيها من حق أزلي قديم . الحق . . الذي لا يتفرق ولا يتعارض وهو يرسم منهاج الحياة البشرية كاملا ؛ ويلحظ في هذا المنهاج كل قواها وكل طاقاتها ، وكل نزعاتها وكل حاجاتها ، وكل ما يعتورها من مرض أو ضعف أو نقص أو آفة ، تدرك النفوس وتفسد القلوب . الحق . . الذي لا يظلم أحدا في دنيا أو آخرة . ولا يظلم قوة في نفس ولا طاقة . ولا يظلم فكرة في القلب أو حركة في الحياة ، فيكفها عن الوجود والنشاط ، ما دامت متفقة مع الحق الكبير الأصيل في صلب الوجود . « بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ » . . فما هو من عندك ، إنما هو من عند ربك . وهو رب العالمين كما قال في
--> ( 1 ) يراجع تفسير قوله تعالى : « وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » ص 2548 - 2550 جزء 19 من الظلال .